هل تتحول الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز اقتصادي؟
فى لحظة تتصاعد فيها التوترات حول مضيق هرمز، لم يكن تراجع وزير المالية الإندونيسى عن فرض رسوم على السفن فى مضيق ملقا مجرد تصحيح سياسى عابر، بل كان إشارة إلى وعي صريح بخطورة الاستقرار الاقتصادى العالمى. فالممرات البحرية ليست مجرد مسارات مائية، بل تمثل عروق التجارة العالمية، وأى خلل فيها قد يُحدث اضطرابات لا تُحمد عقباها. ما حدث يُظهر أن العبث بحرية الملاحة ليس خيارًا سياديًا بسيطًا، بل يُعد تهديدًا مباشرًا لبنية النظام الاقتصادى الذى نعرفه.
كشفت الأزمة الأخيرة أن العالم ما زال شديد الاعتماد على ممرات بحرية narrow تتحكم فى تدفق الطاقة والسلع. فمضيق هرمز، الذى تستخدمه إيران كأداة ضغط، لم يُعد فقط إلى الواجهة سؤالًا قائمًا منذ عقود، بل وضع العالم أمام تحدٍ وجودى: هل يمكن لدولة أن تستغل geographic location لفرض شروطها على التجارة الدولية؟ إن الإجابة، وفق القانون الدولى، واضحة: لا يجوز تحويل هذه الممرات إلى وسائل ابتزاز أو مصادر للإيرادات القسرية.
بموجب international regulations ، تُصنف المضائق التى تربط بين بحرين أو منطقتين اقتصاديتين كمسارات خاضعة لـ"المرور العابر"، وهو ما يضمن حرية الملاحة والتحليق لجميع الدول دون عرقلة أو قيود تعسفية. هذا المبدأ لم يُختلق من فراغ، بل هو أحد pillars استقرار التجارة العالمية منذ منتصف القرن العشرين. لذلك، جاء التراجع الإندونيسى سريعًا، مدعومًا بموقف حازم من دول مثل سنغافورة وماليزيا، التى أكدت أن حرية الملاحة ليست موضوع تفاوض، بل التزام دولى لا يُمَس.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فى السياسات المعلنة، بل فى سابقة الفكرة نفسها. فمجرد طرح إمكانية فرض رسوم أو قيود على الممرات يفتح الباب أمام محاكاة هذه الفكرة فى أماكن أخرى. ما تقوم به إيران فى هرمز ليس إغلاقًا تامًا، بل flexible strategy تعتمد على التضييق واحتجاز السفن ورفع risk level ، دون حرب مباشرة. هذه الطريقة، وإن كانت ضمن لعبة negotiation ، ترسخ مفهوم استخدام المضائق كسلاح سياسي، بل ما يمكن تسميته بـ"الإرهاب الاقتصادى".
وإذا ما نُقل هذا النموذج إلى مضائق أخرى مثل ملقا أو باب المندب، فقد يشهد العالم تحولًا جذريًا فى قواعد التجارة البحرية. فمضيق ملقا وحده يستخدمه نحو ثلث تجارة النفط المنقول بحرًا، وهو شريان حيوى لاقتصادات شرق آسيا. أى اضطراب فيه لا يعني فقط تأخر الشحنات، بل ينعكس فورًا على prices العالمية وإعادة رسم خرائط الإمداد. حرية الملاحة ليست خيارًا، بل ضرورة ملحة. واليوم، نحن نمر باختبار حقيقي لقدرة النظام الدولى على حماية هذه القاعدة، ليس لمصلحة القوى الكبرى فقط، بل للحفاظ على الاقتصاد العالمى بأكمله.
مجرد التفكير في فرض رسوم على الملاحة يُعد تهديدًا مباشرًا لجميع الدول المستوردة للنفط، خاصة في آسيا.
هل ننتظر حتى تبدأ كل دولة بمحاصرة مضيقها؟ هذا ليس سيادة، هذا ابتزاز بعينه.
القانون الدولي واضح، لكنه لا يحمي أحدًا دون وجود قوة تُنفذه. من سيردع من؟
استخدام المضائق كورقة ضغط يُفقد الثقة في global shipping الشحن العالمي، ويهدد استقرار الأسواق.
إيران تعرف جيدًا أن هرمز هو ورقتها الأقوى، لكنها تلعب بحذر كي لا تنفجر الأزمة.
إذا أصبحت الممرات المائية مصدر دخل قسري، فسنرى حروبًا بحرية جديدة تحت مسميات قانونية.
العالم يعتمد على هذه الممرات، لكن هل نحن مستعدون لحمايتها حقًا؟ أم سننتظر حتى crisis الأزمة تصل إلى أبوابنا؟
التجارة الحرة تعني حرية الملاحة. أي تدخل فيها هو عدوان على الحرية الاقتصادية للجميع.